علم الأنماط وثلاثية ( الشرع - الطبع - التطبع ) - الحلقة الثانية




علم الانماط

وثلاثية ( الشرع – الطبع – التطبع )

( الحلقة الثانية )

قبل سنين شاركت في دورة تدريبية مع أحد المدربين الافاضل ، وتم تقديم ورقة إستبانة لتحديد الشخصية ، وفي حين اني ( ) بإمتياز ، جاءت النتيجة أني ( J ) ، ولمّا اخبرت المدرب بأن هناك نتيجة مغايرة لحقيقة شخصيتي كانت إجابته : ان شخصيتي قد تغيّرت ...

ورغم اني أعلم أن إجابته لم تكن دقيقة ، وأن نمط الشخصية تتطوّر لكنها لا يتغيّر ،  الا ان ذلك شدّ إنتباهي الى إشكالية الاستبانات والكشافات الشخصية التي تستخدم في الدورات التدريبية وانها قد تظهر نتائج خاطئة ، وبالتالي شخصية اخرى ، وتخصصات اخرى ، ونقاط قوة اخرى ونقاط ضعف اخرى ، ونصائح للتطوير اخرى ، فيفقد هذا العلم مصداقيته في نفس المشارك حين لايجد نفسه في دليل الشخصية .

وهذا الامر هو الاشكالية الاكبر في مقياس MBTI  ، ليست إشكالية في جوهره وفي دقّته ، ولكنها الإشكالية في تفهّم الاسئلة الموضوعه لتحديد الشخصية ، لذلك فإن من يقولون أن نسبة دقة مقياس  MBTI هي ( 85% ) او اقل من ذلك ، هم يتكلمون عن نتائج الاستبانات مقارنة بحقيقة الشخصيات ، وليست النسبة في دقة العلم ونتائجه التي هي اعلى من هذا الرقم بكثير .

وأسباب النتائج الخاطئة للإستبانات في ظني تعود الى :

1-     عدم التفريق بين الطبع والتطبع ، بين أصل شخصيتي وبين ما أمارسه نتيجة  وظيفتي أو عملي او الواجبات المكلف بها  . بين اصل شخصيتي وبين ما تعلّمت ان امارسه او اطبقه في مكانه الصحيح .

ومثال الأول السؤال في احد أهم المواقع  :هل غالباً ما تترك قلبك يحكم عقلك، أم عقلك يحكم قلبك ؟

فقد يكون الشخص مشاعريا ( F )  ، لكنه يمارس دور ( T ) لان مديره الأعلى طلب منه ان يدير القسم الذي هو مسؤول عنه بهذا الاسلوب .

ومثال الثاني السؤال في نفس الموقع : عندما تذهب إلى مكان ما أثناء النهار، هل تفضل أن تخطط لما ستفعله ومتى ستفعله، أم تذهب بدون تخطيط؟

فقد يكون الشخص هو ( P ) لكن تعلّم بعد نصيحة أو محاضرة او دورة تدريبية ، كيف يخطط لحياته ، فحين يجيب عن هذا السؤال سيجيب بعقلية ( J ) ، فتكون النتيجة خاطئة .

والحل لهذه المشكلة في رأيي : أن لا يعتمد على الاستبانات دون مقدمة وافية يفهم فيها المشارك الفرق بين الامرين وهذا لا يكون الا من خلال الدورات التدريبية بشرط معالجة هذه الاشكالية في فهم مدلولات الاسئلة .

2-    عدم التفريق بين ما أنا عليه وما اتمنى ان اكون ، وسبب هذا هو الجانب النفسي الذي يفقد به البعض صدقه مع ذاته ، فيريد أن يصوّر نفسه بصورة مختلفة لسبب ذاتي داخلي او لسبب مصلحي خارجي

أذكر في برنامج تدريبي شبابي ، ان إشاعة سرت بين الشباب قبل الدورة ان هناك إستبانة سيتم تطبيقها وعلى ضوء النتائج سيتم إختيار قيادات شبابية منهم لمهام كبيرة في المؤسسة . في ذلك الوقت كنت لا ازال استخدم الاستبانات قبل الدورة ، فكانت النتيجة ان اكثر من 70 % منهم كانت نتيجته ESTJ

حينها الغيت الاستبانة ولم اعطهم النتائج واعتمدت على طريقة اخرى .

وحين تأملت الامر وجدت المشكلة أن النفس البشرية مجبولة على طمع خفيّ  ، فإن لم يفهم أهمية الصدق مع ذاته فسوف يحاول خداع ذاته او حتى خداع الأخرين ، بوعيه او تحت خطّ وعيه .

ولهذا فإنه حين يمرّ بتساؤلات تصب محاورها بين اختيار التفضيل بين كونك تحب الاختلاط مع الاخرين ام الوحدة وبين كونك انسان عملي او تنظيري وبين كونك انسان مفكر او عاطفي وبين كونك منظم او لا ، فليس مستغربا ان تكون النتائج كلها ESTJ
والحل لهذه المشكلة في نظري : أن يفهم ان لكل شخصية نقطة تميّز ومعرفته لشخصيته الحقيقية هو اول الطريق لمزيد من الابداع والتفوق والتميّز ، وأن تبنى في نفسه دافعية التجرّد ليكون مع نفسه اكثر صدقا ، وهذه وظيفة المدرّب في دقّة فهمه لهذا العلم وجودة عطائه للمعلومة .

3-    والسبب الثالث هو الفهم الخاطئ لمدلولات التفضيلات وأثر الثقافة المجتمعية في ذلك  ، وهذا ما نراه حينما نميّز ثقافتنا المجتمعية التي تميل الى الانبساطيين ( E )  أكثر من الذاتيين I )  ) مثلا ، وتستغرب التفضيل التفكيري ( T ) للإناث ، كما تستغرب الميل الشعوري ( F ) للذكور ، وهذه قد تسبب خطأ في تقدير الإجابة الصحيحة ، حيث يختار الأقرب لثقافة المجتمع بوعيه ، او بتأثير اللاوعي .

والحل لهذه المشكلة : ان نتجنب الالفاظ الموهمة مثل ( المنطوي او الانطوائي ) للدلالة على الذاتية ( I ) ، واستخدام مفردات مثل ( الذاتي ) او ( المتحفظ )  وكذلك بقية التفضيلات .

وكذلك في الدورات التدريبية فيمكن ضرب امثلة لشخصيات هامة من تأريخنا او التاريخ الحديث عند كل تفضيل ، فهذا يزيد الاطمئنان الداخلي عند التحديد ، ويجعله لا يخشى على تقديره لذاته أن يمسّ فيكون أختياره أصوب وادق.

وخلاصة الامر كله .. ان الاستبانات الالكترونية او الورقية دون مقدمات تمهيدية قناعية وجدانية ، ودون فهم من قبل المشارك للأسئلة الاربعة وتفضيلاتها الثمانية ، ودون مدرب قادر على الاجابة على الاستفسارات التي تطرأ ، فإن هذه الاستبانات ستبقى تعطينا نتائج اقلّ دقة .

رضا الحديثي